قصص وحكايات

قصص القرآن الكريم(الحلقة 35)

قِصةُ يُوْنُسَ فيْ بَطْنِ الحُوْت

 

 

قِصةُ يُوْنُسَ فيْ بَطْنِ الحُوْت

 

(وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)

قبل الشروع في تفاصيل هذه القصة الرائعة تجدر الإشارة إلى سبب تسمية يونس(ع) بذي النون، فقد ذكر أهل اللغة أنّ النون إسمٌ من أسماء الحوت، وأن يونس صاحب الحوت لأنه التقمه فاقترن اسمهما مع بعضهما، فكلمة(ذو) تعني الصاحب، فذو المال هو صاحب المال، وذو الجاه صاحب الجاه وهكذا في باقي الكلمات المصحوبة بلفظ(ذو أو ذا أو ذي) بحسب مكانها في الجملة.

تحكي لنا الآية الكريمة عما حدث لنبي الله يونس(ع) حين لم يصبر على قومه حتى النهاية، وقد ورد أنه دعاهم إلى الإيمان ما يقرب من ثلاثين سنة فلم يؤمن منهم أحد ما خلا القلة المعتادة في غيرهم من الأقوام.

فتركهم وهو غاضبٌ عليهم، وظنّ بأن الله سبحانه لن يسأله عما فعل فكانت المسؤولية على عكس ظن والنتيجة غير ما فكّر.

ثم تحكي لنا الآية كيف أنّ الله تعالى أدّبه، ولا نقول(عاقبه) لأنه لم يُذنب بمعنى الذنب كونه معصوماً، غاية ما قام به هو أنه تصرّف بما رآه مناسباً من دون أن يوحى إليه، وبما أنه نبي فقد كان ينبغي عليه أن ينتظر الوحي قبل أن يتركهم، ولكنه ضاق صدره بسبب شدة عنادهم، ولذا يُمكن حمل تصرّف يونس على مخالفة الأمر الإرشادي الذي لا يستوجب تركه العقاب.

يمكن أن يرتكب مخالفةً إرشادية لا تستحق العقاب على عكس ارتكاب المخالفة المولوية التي تحمل التبِعات في يوم الحساب.

لقد أدّب الله أنبياءه أحسن تأديب ليكونوا مثلاً يُحتذى به عبر الزمن، وليكون صبرهم على البلاء درساً للبشرية على مرِّ العصور، وهم(سلام الله عليهم) من أكثر الناس ابتلاءاً على قاعدة(إذا أحبّ الله عبداً ابتلاه) وأكثر الأنبياء ابتلاءاً هو خاتمهم النبي الأعظم محمد(ص).

لقد أرسل الله يونس إلى قومٍ وثنيين، وقد قام بوظيفته كما يجب لعقود من الزمن، وكان شأنه كشأن غيره من الأنبياء الذين كُذّبوا وطُردوا واستُهزئ بهم، ولكنّ غيره من الأنبياء كان صبرهم على الناس أعظم كصبر نوح على قومه مدة ناهزت الألف سنة.

وبعد أن يئس يونس من إيمانهم غضب منهم وعليهم، وقرر أن يتركهم وشأنهم دون أن يأمره الله بذلك، فخرج من مدينتهم مخلّفاً وراءه قوماً جاحدين، وقلةً من المؤمنين الذين راحوا يؤنِّبون القوم ويعاتبونهم على إساءتهم ليونس الذي لم يسئ إليهم يوماً، وقد استطاع هؤلاء المؤمنون أن يتابعوا مسيرة نبيّهم وينقلوا أهل مجتمعه من ظلمات الكفر إلى أنوار الإيمان.

هؤلاء المؤمنون بيونس لهم فضلٌ على ما قاموا به، ولكن الفضل الأول يعود إلى نبيّهم يونس الذي أرسى قواعد الإيمان عبر سنوات طويلة، ولولا جهوده ووعظه لقومه ونهيُه لهم عن عبادة الأوثان مبيّناً لهم الحق بالدليل لما سمع هؤلاء للمؤمنين بعد خروج يونس من مدينتهم.

أما يونس(ع) فقد وصل إلى ميناء كانت قريبة من تلك المدينة وركب سفينة كانت على وشك الإبحار، وهو لا يقصد جهة معيّنة، بل جُلّ ما يريده هو الإبتعاد عن القوم الظالمين، وكان لا يعرف ما الذي يحدث في المدينة بعد أن تركها وشأنها.

(وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ)

ركب السفينة وأبحرت بأمان وكان الجو هادئاً، وبعد أن ابتعدت عن الشاطئ تغيّر الطقس فجأةً وهبّت ريحٌ قوية عصفت بالسفينة مما أجبر الربّان على التخفيف من الحِمل، ولم تعُد تلك السفينة قادرة على حمل الطاقم فلم يتخذ الربان قراراً متسرعاً في حق يونس لأن عاداتهم كانت تفرض عليهم في مثل تلك الحالات أن يُجروا قرعة بينهم ليكون الحكم عادلاً، فأجرى الربّان قُرعة، والسهم الذي يحمل إسماً يجب على صاحب الإسم أن يلقي بنفسه في البحر، وقد وافق الجميع على هذا الرأي، وقد قيل بأن يونس(ع) قد تبرّع بترك السفينة قبل إجراء القرعة ولكن الربان خاف من الظلم فأصر على إجرائها.

ففي المرة الأولى كان اسم يونس، فكره الربان أن يلقيه في البحر، ولعله كان يعرفه، فأعاد القرعة ثانيةً فكان اسم يونس أيضاً، ثم أجراها مرة ثالثة، ولما رأى يونس اسمه في القرعة الثالثة أيقن بأن ذلك امتحان من الله له فقفز في البحر دون تردُّد(فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ) أي أنه دخل في القرعة التي تجري عن طريق الأسهم فظهر اسمه لثلاث مرات متتالية فعلم بأنها إرادة الله وأنه تعالى يريد أن يؤنبه ويؤدبه على تركه لقومه دون وحي، وبمجرد وصوله إلى الماء التقمه حوتٌ كبير(فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ) فقد لام نفسه كثيراً على ما بدر منها.

بقي في ظلمات بطن الحوت مدة لم يكشف القرآن عنها، ولم يؤذه الحوت بأسنانه، ولم تطحنه معدته بأمر الله تعالى، بقي ذاكراً لله مستغفراً مسبّحاً وهو السبب الذي أنجاه في بطن الحوت، ولولا تسبيحه لمات في بطنه، وقد أشار القرآن إلى هذه النقطة حيث قال(فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)

وبعد ذلك كله أوحى الله إلى الحوت أن ينبذه على الساحل وكان عارياً، وبقدرة الله تعالى نبتت شجرة يقطين على الفور سترت سوأته(فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ)

ثم أرسله الله إلى قومه مرة أخرى وقد تجاوز عددهم المئة ألف فآمنوا به وبرسالته واطمأن قلبه، وشكر ربه على تلك النعمة، ولم يذهب عناؤه سدىً، وقد علّمنا الله بيونس أهم درس من دروس الصبر مهما طال البلاء(وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ)

فقد يكون الظاهر شراً، ولكنه في علم الله هو غير ذلك، ولهذا يجب الصبر حتى آخر رمقٍ للمرء في حياته لأن الله عز وجل يحب الصابرين وقد أعدّ لهم أعلى الدرجات في جنته.

والصبر دواء ناجع ليس كمثله دواء، ولا بأس بتجربته في المواقف الصعبة فهو سلوكٌ مشرّف للإنسان في جميع مراحل حياته ويعود عليه بالمنفعة في الدنيا قبل الآخرة.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى